الفيروز آبادي
177
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
13 - بصيرة في وحى الوحي : ما يقع به الإشارة القائمة مقام العبارة من غير عبارة ، فإنّ العبارة يجوز منها إلى المعنى المقصود بها ، ولذا سمّيت عبارة ، بخلاف الإشارة الّتى هي الوحي فإنها ذات المشار إليه ، والوحي هو المفهوم الأوّل ، والإفهام الأوّل ، ولا تعجب من أن يكون عين الفهم عين الإفهام عين المفهوم منه ، فإن لم تحصل لك هذه النكتة فلست بصاحب وحى ، ألا ترى أنّ الوحي هو السّرعة ، ولا سرعة أسرع ممّا ذكرنا . فهذا الضّرب من الكلام يسمّى وحيا ، ولما كان بهذه المثابة وأنّه تجلّ ذاتىّ ، لهذا ورد في الحديث الذي رواه ابن حبّان في صحيحه وغيره « أنّ اللّه إذا تكلّم بالوحي سمع أهل السّماء صلصلة كجرّ / السلسلة على الصّفاة فيصعقون ، فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم جبريل ، فإذا جاءهم فزّع « 1 » عن قلوبهم فيقولون : يا جبريل ما ذا قال ربّك فيقول : الحقّ ، فينادون الحقّ وهو العلىّ الكبير « 2 » » [ وما سألت الملائكة « 3 » ] عن هذه الحقيقة [ وإنما عن ] السبب من حيث هويّته . فالوحي : ما يسرع أثره من كلام الحق في نفس السّامع ، ولا يعرف هذا إلا العارفون بالشؤون الإلهيّة فإنّها عين الوحي الإلهىّ في العالم وهم لا يشعرون . فافهم .
--> ( 1 ) فزع عن قلوبهم : كشف عنهم الخوف . ( 2 ) ورد الحديث في إرشاد الساري للقسطلاني 1 / 167 وقد أورده من طرق عدة وبألفاظ تزيد وتنقص وكلها متقاربة المعنى . ( 3 ) ما بين القوسين تكملة من اللسان ( فزع ) والعبارة هنا مضطربة في كلتا النسختين ، واستوحينا تصويبها من اللسان وإرشاد الساري .